عدد المشاهدات: 756

مالي : النصرة تؤكد أنها لن ترفع الحصار عن بماكو حتى يسقط نظام غويتا.

تشهد مالي في الأسابيع الأخيرة واحدة من أخطر أزماتها منذ استقلالها عام 1960، بعدما فرضت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) حصارًا خانقًا على العاصمة باماكو، أدى إلى شلل اقتصادي وندرة غير مسبوقة في الوقود والمواد الأساسية. هذه الأزمة ليست مجرد عارض اقتصادي، بل تطور استراتيجي يعكس تحوّل موازين القوى بين الدولة والجماعات المسلحة في عمق البلاد.

من كاي إلى باماكو: حصار يتقدّم بثبات

بدأت شرارة الأزمة أواخر أغسطس الماضي في منطقة كاي الواقعة غرب مالي، حين بدأت قوافل الوقود القادمة من السنغال تتعرض لهجمات متكرّرة على الطريق الوطني رقم 1. ثم امتدّت العمليات إلى نيورو دي الساحل، حيث نجحت الجماعة في السيطرة على عقد طرق حيوية تربط الغرب بالعاصمة. ومع استمرار الهجمات، فُرضت رقابة مسلّحة على الشاحنات، ما أدى إلى شلل تدريجي في الإمدادات.

في مطلع أكتوبر، توسّع الحصار ليشمل الطرق المؤدية إلى سيغو وكوليكورو، حتى أصبحت العاصمة باماكو محاصرة فعليًا من جميع الاتجاهات. وفي سابقة هي الأولى منذ استقلال مالي، شنّت الجماعة قبل أيام هجومًا على بعد 30 كيلومترًا فقط من باماكو، في منطقة كاتي، التي تُعد قاعدة عسكرية رئيسية للجيش المالي ومركزًا حساسًا للسلطة. هذه الضربة الرمزية بعثت رسالة واضحة: العاصمة نفسها لم تعد بمنأى عن الخطر.

شلل داخلي وضغط شعبي

تسبّب الحصار في أزمة وقود خانقة؛ طوابير طويلة أمام المحطات، ارتفاع جنوني للأسعار، وتوقف جزئي للنقل العام والكهرباء. كما تعطّلت المدارس والدوائر الحكومية في بعض الأحياء، في وقت تتزايد فيه حالة الغضب الشعبي ضد الحكومة العسكرية برئاسة العقيد عاصمي غويتا، التي لم تتمكّن بعد من تأمين الطرق الاستراتيجية رغم الدعم الروسي عبر مجموعة فاغنر.

هل الهدف إسقاط النظام أم السيطرة على العاصمة؟

تباينت آراء المحلّلين حول نية الجماعة الجهادية، يرى بعض الخبراء أن الهدف من الحصار هو إضعاف النظام عسكريًا واقتصاديًا لإجباره على التفاوض، وليس السعي لاحتلال باماكو فعليًا. لكن مراقبين آخرين تحدّثوا عن استراتيجية جديدة تقوم على “خنق الدولة من الأطراف” قبل أي محاولة للتقدّم نحو المركز.

وسيم نصر: «الجماعة لن ترفع الحصار حتى سقوط النظام»

وفي مقابلة بثّتها فرانس 24 قبل يومين، قال الخبير في شؤون الجماعات الجهادية وسيم نصر إن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين لا تسعى حاليًا لاحتلال باماكو عسكريًا، بل لإظهار عجز الدولة عن حماية العاصمة وتأمين حياة المواطنين، معتبرًا أن الحصار “تكتيك لإسقاط الشرعية دون إسقاط النظام بالقوة”.

وأضاف نصر نقلًا عن مصادره الخاصة داخل الجماعة:

«الحصار لن يُرفع إلا بسقوط النظام أو رضوخه لشروط الجماعة. إنهم يهدفون إلى إنهاك الدولة من الداخل، وليس إلى معركة مفتوحة».

مستقبل غامض وعزلة متزايدة

مع استمرار الأزمة وتضاؤل الإمدادات، تزداد عزلة باماكو داخليًا وخارجيًا. فالمجتمع الدولي يراقب بصمت، والطرق التجارية نحو السنغال وساحل العاج باتت شبه مغلقة. وبينما تسعى الحكومة إلى طمأنة السكان عبر استيراد محدود للوقود بطريق جوية، يبدو أن الحل الأمني وحده لم يعد كافيًا.

إن ما يجري اليوم في باماكو لا يهدّد فقط بقاء النظام العسكري، بل يعيد طرح سؤال جوهري: هل لا تزال الدولة المالية قادرة على حماية عاصمتها؟
فإذا كان الجهاديون قد وصلوا إلى أطراف باماكو، فذلك يعني أن أزمة الوقود ليست سوى وجه من وجوه انهيار أوسع للدولة نفسها.

Share this content:

أنا صحفي مستقل متخصص في تغطية الأحداث والقضايا الاجتماعية والسياسية في دول الساحل وأزواد. أركز على تسليط الضوء على التحديات الأمنية، حقوق الإنسان، والتنمية الاقتصادية في المنطقة. أسعى لتقديم تقارير موضوعية تعكس صوت المجتمعات المحلية وتساهم في زيادة الوعي الدولي حول القضايا الملحة التي تواجهها هذه المناطق. من خلال استخدام وسائل الإعلام التقليدية والرقمية، أعمل على توثيق التجارب الإنسانية وتعزيز الحوار حول الحلول المستدامة.

اترك رد

قد يعجبك

error: Content is protected !!