هجوم دموي في تينابانا: الحكومة والجماعات المسلحة تتنافس في إبادة المدنيين في مالي
شهدت منطقة غاو في مالي يوم 15 مارس 2025 هجومًا جديدًا نفذته جماعة تنتمي إلى تنظيم الدولة الإسلامية في الساحل (EI-S) على موقع تعدين الذهب في تينابانا، حيث أقدم المسلحون على حرق ممتلكات المنقبين، ونهب معدات، وإحراق مركبة مدنية وسرقة أخرى. يعكس هذا الهجوم تصاعد العنف الذي تشهده البلاد، حيث لم تعد الجماعات المسلحة وحدها مسؤولة عن معاناة المدنيين، بل تلعب الحكومة دورًا أساسيًا في تدهور الأوضاع من خلال قمعها الوحشي وانتهاكاتها المتكررة لحقوق الإنسان.
الجماعات المسلحة تسيطر والحكومة تتجاهل معاناة السكان
في السنوات الأخيرة، تصاعدت الهجمات المسلحة التي تستهدف المدنيين والمواقع الاقتصادية مثل مناجم الذهب، حيث تسعى التنظيمات الإرهابية إلى تمويل عملياتها من خلال نهب الموارد وابتزاز العمال. إلا أن رد الحكومة المالية لم يكن في مستوى التحدي، بل زاد من تفاقم الأزمة من خلال سياسات القمع العشوائية.
بدلاً من توفير الحماية الفعالة للسكان، لجأت الحكومة إلى إجراءات قاسية شملت القصف الجوي العشوائي على الأسواق والقرى، مما أدى إلى مقتل العشرات من المدنيين الأبرياء، بمن فيهم النساء والأطفال. كما سجلت إعدامات ميدانية بحق من يُشتبه في تعاطفهم مع الجماعات المسلحة، دون أي محاكمات عادلة.
استهداف منهجي لمجموعات عرقية معينة
تشير تقارير حقوقية إلى أن الحكومة لا تستهدف المدنيين بشكل عام فحسب، بل تركز عملياتها العسكرية والقمعية بشكل خاص على الطوارق والعرب والفلان، الذين يتعرضون للتمييز الممنهج ويتم اتهامهم زورًا بدعم الجماعات الإرهابية. وقد أدى ذلك إلى خلق بيئة من الرعب والاضطهاد، حيث يجد العديد من أبناء هذه المجموعات أنفسهم محاصرين بين تهديدات الجماعات المسلحة من جهة، وانتهاكات الجيش والقوات الحكومية من جهة أخرى.
القصف الجوي على الأسواق والقرى: إستراتيجية عقابية ضد المدنيين
بدلاً من استهداف معاقل الجماعات المسلحة بدقة، تلجأ الحكومة إلى القصف العشوائي للأسواق والتجمعات السكانية بحجة محاربة الإرهاب، ما يؤدي إلى إزهاق أرواح العديد من المدنيين الأبرياء، وتدمير مصادر رزقهم. هذه الاستراتيجية لم تساهم في تقليص نفوذ الجماعات المتطرفة، بل على العكس، دفعت العديد من الشباب الغاضبين إلى الانضمام إلى هذه الجماعات بدافع الانتقام أو الشعور باليأس من الحكومة.
غياب العدالة وتواطؤ المجتمع الدولي
على الرغم من التقارير العديدة التي توثق انتهاكات الجيش المالي، إلا أن المجتمع الدولي يلتزم الصمت، بل ويواصل تقديم الدعم العسكري والمالي للحكومة المالية تحت ذريعة مكافحة الإرهاب. هذا الصمت الدولي شجع الحكومة على مواصلة سياساتها القمعية دون محاسبة، ما جعل المدنيين الضحية الأولى لهذه الحرب غير المتكافئة.
مستقبل غامض ومخاوف متزايدة
في ظل هذا الوضع المعقد، يواجه سكان مناطق مثل غاو وموبتي وتمبكتو مستقبلًا غامضًا بين نيران الإرهاب وانتهاكات الحكومة. لا يبدو أن هناك حلولًا قريبة، حيث تستمر الحكومة في تجاهل المطالب الشعبية بتحقيق العدالة والمصالحة الوطنية، بينما تواصل الجماعات المسلحة تعزيز نفوذها من خلال استغلال الغضب الشعبي.
الأزمة في مالي لم تعد مجرد حرب ضد الإرهاب، بل أصبحت حربًا ضد المدنيين أنفسهم. بين جماعات متطرفة تنهب وتقتل، وحكومة تقصف وتعدم دون محاسبة، يظل المواطن المالي هو الضحية الكبرى. ومع استمرار هذا النهج، تزداد مخاطر تفكك الدولة واندلاع صراعات عرقية أوسع، ما لم يتم وضع حد لهذه الانتهاكات وضمان محاسبة جميع الأطراف على جرائمها.